
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم ليست مجرد مسألة نُدرجها ضمن أركان الإيمان ثم نُغلق الكتاب، بل هي تربية إلهية مستمرة تُحيي في قلب العبد شعور الرعاية الدائمة والمراقبة الرحيمة والتدبير الحكيم الذي لا يغفل عنه طرفة عين.
تأمَّل – رحمك الله – كيف اقترن الإيمان بالملائكة بالإيمان بالله نفسه في أعظم السياقات القرآنية: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية 285] فجعل الله الإيمان بهم جزءاً لا يتجزأ من الإيمان به سبحانه، كأنه يقول: من عرف الله حق معرفته لن يستغني عن الإيمان بجنوده الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
فالله أخبرنا بهم ليُخرجنا من وهم الوحدة، وليُربي فينا مراقبة القلب قبل الجوارح، وليُثبت لنا صدق الوحي الذي حمله جبريل الأمين، وليُشعرنا أن رحمته تحيط بنا من كل جانب، وأن له معقّبات يحفظوننا بأمره.
سنستعرض معًا في هذا المقال – بعون الله – بعضًا من هذه الحكم العظيمة مستندين إلى الكتاب والسنة الصحيحة، نرجو أن يجعله الله نوراً في القلوب وتذكيراً في الغفلة.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أساسيات الإيمان بالملائكة في الإسلام
لنبدأ بفهم الأساسيات قبل الغوص في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، دعنا نتعرف على مَن هم الملائكة؟، الملائكة هم مخلوقات نورانية، خلقها الله تعالى من نور، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ”، وهذا الحديث يرسم صورة واضحة عن طبيعتهم، فهم ليسوا بشريين، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يتكاثرون، بل هم عباد مكرمون يطيعون الله دون معصية، كما قال تعالى: “لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (سورة التحريم، الآية 6).
الإيمان بهم يتجاوز مجرد التصديق بوجودهم؛ بل يشمل الإيمان بأسمائهم المعروفة مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وبأعمالهم المتنوعة، وهذا الإيمان واجب، كما بينه حديث جبريل الشهير الذي رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، حيث سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم: “أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ”، فقال: “أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ”، وهنا تبرز حكمة أولى وهي أن الإيمان بالملائكة يدرب النفس على الغيب، فهم غير مرئيين لنا في الدنيا عادة، مما يقوي الثقة في الله الذي لا نراه، كما في قوله تعالى: “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (سورة البقرة، الآية 3).
نجد الكثيرين يبدؤون رحلتهم الإيمانية من هنا، فتخيلوا شخصاً يشك في الغيبيات؛ عندما يفهم أن الملائكة جزء من نظام إلهي محكم، يبدأ يرى الدنيا بمنظور أوسع، وهذه ليست مجرد نظرية، بل واقع يعيشه المؤمنون يومياً، حيث يشعرون بأن الإيمان بهم يجعلهم أقرب إلى الله.
الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم
تعزيز الإيمان بالقدرة الإلهية (حكمة أساسية في الإخبار)
إحدى أبرز جوانب الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم تكمن في إظهار قدرة الله تعالى على الخلق المتنوع والمذهل، فالله سبحانه خلق الكون بكل تفاصيله، والملائكة دليل على هذا التنوع، فخُلق الإنسان من طين، والجن من نار، والملائكة من نور، كما أشرنا سابقاً، ويدعونا القرآن إلى التأمل في هذا كما في قوله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ” (سورة الحجر، الآيتين 26-27)، وبالرغم من أن القرآن لا يذكر خلق الملائكة صراحة بنفس الطريقة، إلا أن السنة تكمله، مما يعطي صورة كاملة عن عظمة الخالق.
عندما يخبرنا الله بوجود الملائكة، يريد أن نرى كيف يدير الكون بجيوش غير مرئية، فعلى سبيل المثال هناك ملائكة تحرس السموات من الشياطين، كما في “وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ” (سورة الصافات، الآية 7)، وأخرى تكتب أعمالنا بدقة متناهية، كما قال تعالى: “وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ” (سورة الإنفطار، الآية 10-12)، وهذا الإخبار يبعث في النفس شعوراً بالأمان والنظام، فالعالم ليس فوضى، بل هو نظام إلهي يعتمد على هذه الكائنات الطاهرة.
أتذكر قصة صديق لي كان يعاني من القلق المزمن؛ عندما درس هذا الجانب، بدأ يشعر بأن الله يدير أموره عبر ملائكته، مما خفف من توتره، وفي الحديث النبوي الذي رواه مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه: “ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، إلَّا قالَ المَلَكُ: وَلَكَ بمِثْلٍ”، فنرى كيف يشارك الملائكة في دعواتنا، مما يجعل الإيمان حياً ومؤثراً، وهذه الحكمة تجعلنا نقدر قدرة الله أكثر، ونرى في كل شيء دليلاً على حكمته.
دور الملائكة في الوحي والرسالات (حكمة إلهية في الإخبار)
دعونا الآن ننتقل إلى جانب آخر مثير في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، وهو دورهم الحاسم في نقل الوحي الإلهي، فجبريل عليه السلام، المعروف بالروح الأمين، هو الوسيط بين الله والأنبياء، كما ورد في القرآن: “نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” (سورة الشعراء، الآيات 193-195)، وبدون الإيمان بهذا الدور، كيف نفهم كيف وصل القرآن إلينا نقياً ومحفوظاً؟، وهذا الإخبار يوضح آلية الوحي، مما يعزز مصداقية الرسالة الإسلامية ويحميها من التشكيك.
نجد في السنة النبوية تفاصيل أكثر حول هذا الدور، فعلى سبيل المثال حديث الإسراء والمعراج الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، يصف النبي صلى الله عليه وسلم لقاءه بجبريل وغيره من الملائكة في السموات، مما يبرز كيف تربط الملائكة بين العوالم السماوية والأرضية، والحكمة هنا واضحة وهي تعليم الإنسان أن الرسالات الإلهية ليست من صنع البشر، بل تأتي عبر وسطاء طاهرين غير قابلين للخطأ أو التحريف، وهذا يبني الثقة في الكتب السماوية، ويجعلنا نقدر نقاوة الوحي الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
نجد في سياق حياتتنا اليومية أن هذا الإيمان يساعد في قراءة القرآن بتأمل أعمق، وعندما نتلو آية نتذكر أن جبريل هو من نقلها، مما يزيد من قدسيتها، وفي حديث آخر رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما يصف كيف كان جبريل يعلم النبي القرآن، قائلاً: “كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ”، وهذا يظهر الدور التعليمي للملائكة، مما يجعل الإخبار بوجودهم حكمة تربوية تساعد في حفظ الدين.
أما في مواجهة الشبهات الحديثة مثل ادعاءات أن الوحي مجرد هلوسات، فإن الإيمان بالملائكة يقدم تفسيراً منطقياً مدعوماً بالنصوص، فعندما تدرس آيات القرآن والأحاديث تجد فيها دليلاً على نظام إلهي متكامل، وهكذا يصبح هذا الجانب جسراً بين الغيب والواقع، يعزز الإيمان ويحميه.
الحكمة في وجوب الإيمان بالملائكة (بناء التقوى والمسؤولية الشخصية)
من أجمل ما في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم هو كيف يبني التقوى في النفس البشرية، فتخيلوا أن هناك كائنات تسجل كل حركة وسكنة، كما في قوله تعالى: “مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (سورة ق، الآية 18)، وهذا الرقيب والعتيد هما ملكان يسجلان الأعمال، مما يجعل الإنسان يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله.
وروى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: “يتعاقبون فيكم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ ويجتمعون في صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ ، ثمَّ يعرُجُ الَّذين باتوا فيكم فيسألُهم وهو أعلمُ بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون تركناهم وهم يُصلُّون وأتيناهم وهم يُصلُّون”، وهذا يحفز على الالتزام بالصلوات، خاصة الفجر والعصر، لأن الملائكة تشهدها، والحكمة هنا تربوية بحتة وهي تذكير دائم بالمراقبة الإلهية، مما يقلل من الذنوب ويزيد من الحسنات.
لاحظ في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث ينتشر الخصوصية الزائفة عبر الإنترنت، يذكرنا الإيمان بالملائكة بأن كل شيء مسجل، مما يعزز الأخلاق الرقمية، وهكذا يصبح وجوب الإيمان بهم أداة لبناء مجتمع أفضل.
الملائكة والحماية الإلهية (حكمة في الإخبار لتعزيز الثقة بالله)
جانب آخر مهم في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم هو دورهم في الحماية الإلهية، ويقول الله تعالى: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (سورة الرعد، الآية 11)، فهؤلاء الملائكة يحمون الإنسان بأمر الله، من المخاطر الجسدية والروحية، مما يبعث الطمأنينة في القلب.
في حديث نبوي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ”، وهذا الدعاء يستدعي حماية الملائكة، مما يجعل النوم آمناً.
في عصر الجائحات مثل كوفيد، أصبح هذا الإيمان مصدر قوة، يذكرنا بأن الحماية الحقيقية من الله عبر ملائكته.
الحكمة من الاخبار بوجود الملائكة في سياق الكون الكلي
لنوسع النظرة إلى الكون بأكمله نجد أن الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم تشمل فهم نظام الكون المتكامل، فالملائكة جزء من جيوش الله الغيبية، كما في “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ” (سورة المدثر، الآية 31)، فهم يديرون أموراً طبيعية مثل الرياح والأمطار
هذا الإخبار يدعونا للتأمل العلمي الديني، ففي عصر الفيزياء الكمومية يمكن أن نرى الملائكة كقوى غيبية تدير القوانين الطبيعية ليس تعارضاً، بل تكاملاً.
على سبيل المثال، في سورة النازعات: “فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا” (آية 5)، يشير المفسرون إلى الملائكة التي تدبر أمور الكون، وهذا يوسع أفقنا ويجعل الإيمان شاملاً لكل شيء.
الملائكة والعبادة (حكمة في الإيمان لتعزيز الروحانية)
من الحكم الرائعة أيضاً دور الملائكة في العبادة، فهم يسبحون الله دائماً، كما في قوله تعالى “يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ” (سورة الأنبياء، الآية 20)، وهذا يشجعنا على الذكر المستمر.
وفي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلّاهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لا يَزالُ أحَدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْقَلِبَ إلى أهْلِهِ إلَّا الصَّلاةُ”، وهذا يجعل الجلوس في المسجد بعد الصلاة مكافأة روحية.
وفي حديث آخر رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا أمَّنَ الإمَامُ، فأمِّنُوا، فإنَّه مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ”، وهذا يحول الصلاة إلى تجربة جماعية مع الملائكة.
حكمة الإيمان بالملائكة في مواجهة الشبهات المعاصرة
في زمن الشكوك تبرز الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم في مواجهة الشبهات، فالبعض يرى الغيب خرافة، لكن القرآن يرد: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ” (سورة الزمر، الآية 67)، وهذا يظهر قدرة الله على خلق ما شاء.
وفي قصة غزوة بدر حيث ساعدت الملائكة: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ” (سورة الأنفال، الآية 9)، وهذا دليل تاريخي على وجودهم.
الملائكة والآخرة (حكمة في الإخبار للاستعداد لما بعد الموت)
أخيراً نجد أيضًا أن الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم تشمل دورهم في الآخرة، فملك الموت يقبض الأرواح: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ” (سورة السجدة، الآية 11)، ومنكر ونكير في القبر، كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه رواه أحمد: يسألان عن الإيمان.
هذا يحضرنا للآخرة، ويجعلنا نعمل لها، وذلك لقوله تعالى “تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ” (سورة فصلت، الآية 30)، وهذا يحول الموت إلى انتقال آمن.
لماذا غُيبت الملائكة عن أبصارنا؟ (حكمة الحجاب)
جزء أصيل من بحثنا حول الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم هو فهم “لماذا هم غيب؟”.
-
رحمة بالبشر، فطبيعة الملائكة هائلة وعظيمة، ورؤيتهم على صورتهم الحقيقية قد تزهق لها الأرواح من شدة الهيبة.
-
فتح باب الاجتهاد الإيماني، فلو كانت الملائكة تظهر لكل الناس، لما كان هناك فضل للمؤمن على الكافر؛ لأن الإيمان حينئذ سيكون إيماناً بالمشاهدة لا بالغيب، والجنة لا تُنال إلا باليقين بما غاب عن الحواس.
-
تناسب العوالم، فعالم الشهادة له قوانينه (الفيزياء، المادة)، وعالم الغيب له قوانينه، والخلط بينهما في الحياة الدنيا يفسد نظام الابتلاء.
رد الشبهات حول وجود الملائكة
من مقتضيات كتابة مرجع شامل حول الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، الرد على الطروح المادية التي تنكر وجودهم:
الشبهة الأولى “ما لا نراه لا نؤمن به”
هذا منطق سقيم حتى في العلم التجريبي، فنحن نؤمن بوجود الجاذبية، والموجات الكهرومغناطيسية، والعقل، والروح، وكلها أشياء لا تُرى بالعين المجردة ولكن نرى آثارها، والملائكة هم القوى الإلهية التي تحرك الكون بأمر الله، وعدم رؤيتنا لهم هو قصور في أجهزتنا البصرية لا في حقيقة وجودهم.
الشبهة الثانية “لماذا يحتاج الله لوسطاء (ملائكة)؟
الله لا يحتاج إليهم لحاجة (فقر أو عجز)، بل خلقهم إظهاراً لعظمته، كما أن الملك العظيم يضع بروتوكولات وجنوداً لا لحاجته إليهم، بل ليعرف الناس عظمة ملكه، فوجود الملائكة هو زينة للكون وبراعة في الخلق.
تفصيل في صفات الملائكة وتأثيرها الإيماني
للتعمق أكثر في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، يجب أن نستعرض صفاتهم التي ذكرها الوحي:
الخلقة النورانية
خُلقوا من نور، والنور يتصف بالسرعة والشفافية والجمال، وهذا يعطي انطباعاً عن طهارة هذا العالم، مما يدفع المسلم لتطهير قلبه ليتناسب مع رفقائهم من الملائكة.
العدد الهائل
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنِّي أرَى ما لا ترَونَ وأسمعُ ما لا تسمَعون ، أطَّتِ السماءُ وحق لها أن تَئِطَّ ؛ ما فيها موضِعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ لله ساجدًا”، والحكمة هنا هي استشعار أن الله يُعبد في كل مكان، وأن تقصير البشر في العبادة لا ينقص من ملك الله شيئاً، فله عباد لا يفترون عن التسبيح ليلاً ونهاراً.
كيف نطبق مقتضيات الإيمان بالملائكة في حياتنا؟
لكي نخرج من الإطار التنظيري إلى الإطار العملي في فهم الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم يجب اتباع الآتي:
-
الحياء من الملائكة، فلا تجعلهم يسجلون في صحيفتك ما تخجل من عرضه على الله يوم القيامة.
-
حب الملائكة، وبخاصة جبريل (أمين الوحي) وحملة العرش، فهذا الحب يربط قلبك بالسماء.
-
تجنب ما يؤذي الملائكة، فقد ثبت في السنة أن الملائكة تتأذى من الروائح الكريهة (مثل الثوم والبصل قبل الصلاة) ومن الصور والتماثيل والمعاصي، والالتزام بهذا يحول بيتك إلى بيئة جاذبة للملائكة بدلاً من الشياطين.
-
تذكُّر الموت بوعي، فالإيمان بملك الموت يجعلك في حالة استعداد دائم، فلا يفجأك الرحيل وأنت على غفلة.
الأسئلة الشائعة حول الإيمان بالملائكة
هل يمكن للإنسان أن يرى الملائكة؟
لا يمكن للبشر العاديين رؤيتهم في صورتهم الحقيقية في الدنيا إلا للأنبياء (كمشاهدة النبي لجبريل)، أو عند الموت، أو يوم القيامة. ولكن يمكن أن يتشكلوا في صورة بشر كما جاء جبريل للنبي ﷺ في صورة رجل شديد بياض الثياب.
هل الملائكة ذكور أم إناث؟
الملائكة منزهون عن الجنس (ذكورة أو أنوثة)، وهم لا يتناسلون ولا يأكلون ولا يشربون، وقد أنكر الله على المشركين تسميتهم للملائكة بنات الله ووصفه بأنه “قول زور”.
في الختام، نجد أن الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم تتلخص في بناء شخصية مسلمة متوازنة، تعيش في عالم المادة بأقدامها، وفي عالم الغيب بروحها، وهذا الإيمان هو الحصن الذي يحمي العقل من المادية الإلحادية الجافة، ويحمي القلب من اليأس والقنوط، كما أنه إعلان لسيادة الله على كل العوالم، وتأكيد على أن هذا الإنسان ليس وحيداً في هذا الكون الشاسع، بل هو محاط بعناية إلهية وجنود مخلصين، غايتهم تنفيذ أمر الله وحفظ عباده المؤمنين.
وبهذا نختم هذا المبحث العميق في الحكمة من الإخبار بوجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، سائلين الله أن يجعلنا ممن يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة.
المصدر













